فى عهد الخليفة عمر بن الخطاب، تمكن المسلمون من فتح بلاد فارس( إيران)، وتمت السيطرة على عرش كسرى وممتلكاته، وذلك بعد معركة القادسية وكان لكسرى بساط مرصع بالمجوهرات والياقوت، عندها قام سعد بن أبي وقاص باختيار(رسول) ليقوم بإرسال البساط لبيت مال المسلمين في المدينة المنورة، وعند وصول رسول سعد دار الخلافة، دخل على عمر بن الخطاب في مجلسه مع الصحابة، فأمر عمر بإحصاء مجوهرات البساط (لعلم سابق بعددها)، فلما وجدها كاملة لم يأخذ منها حاملها أو غيره شيئاً، حمد الله وتبسم، فقال علي بن أبي طالب، يا أمير المؤمنين(عففت فعفّوا، ولو رتعت لرتعوا) .
الإشارة الأولى في هذه الحادثة التاريخية، تتمثل بسلوك الفاتحين المسلمين لبلاد الفرس حيث يذكر التاريخ أنهم – رغم قصر عهدهم بالإسلام – لم ينهبوا ولم يسمحوا للفوضى بأن تنتشر في البلاد التي فتحوها، رغم الذهول المحتمل لما سوف يرونه من منجزات مادية لتلك الحضارات الكبيرة، حتى أن سعي هؤلاء الجنود كان بإشعار أهل المناطق بالأمن والطمأنينة كرسالة دعوية أعمق وأقوى من رسالة السيف وغمده، وما هذا إلا مؤشر على حجم التربية الإسلامية والإعداد النفسي والروحي لهؤلاء الجنود الفاتحين، وحجم معرفتهم لطبيعة وحجم رسالتهم التي يؤدونها في البلاد المفتوحة.
الإشارة الثانية كانت من خلال تأسيس الخليفة عمر بن الخطاب لمفهوم المحاسبة أو ما يعرف اليوم بالرقابة والتفتيش، فبسؤاله أراد اختبار كفاءة عامل سعد ورسوله، والتأكد من حماية المصالح العامة في نفوس موظفي الدولة المسلمة، وبالتالي اختبار كفاءته(كعمر) وقدرته في إدارة الدولة وبث روح العدالة والقيم الإيجابية في نفوس العاملين فيها.
ومسألة المحاسبة والرقابة والفساد، باتت تشغل كثيرا من حوارات التنمية والأنظمة والإدارات السياسية، وأصبح لها مؤسسات وإجراءات لمتابعتها، ولكنها تفتقر لرغبة سياسية بحجم إرادة عمر الفاروق.
الإشارة الثالثة تكمن في قبول(رسول سعد) لمبدأ المحاسبة، وهو شخص لا يفتقر - بحكم اختياره لهكذا مهمة – لا يفتقر لعزة النفس والشجاعة لأن يتذمر من مقولة عمر وشكه
(حساسية العربي)، لكن التربية الإسلامية مرةً أخرى، تصوغ النفوس بقبول المساءلة وكافة الإجراءات الكفيلة بإحقاق العدالة، عندها يتم العمل في إطاره العام بشكل مؤسسي ورسمي لا علاقة له بالشخصنة وما شابها من معطلات للأداء والتنمية.
الإشارة الأخيرة كانت في مقولة علي(عففت فعفّوا ولو رتعت لرتعوا)، وأجواء العبارة توحي بالتحذير والثناء معاً، وهي تؤسس لمبدأ مهم ومعادلة دقيقة، ذلك أن الفساد بدايته ونهايته تكون بإرادة إدارة العمل سواء كان نظاماً سياسياً أو مؤسسة إدارية أو اجتماعية.
فرأس أي عمل إذا صلح، كان صلاحه عبارة عن إشعاعات مادية ومعنوية للعاملين، وذات قدرة على تشكيل رقابة دائمة على أدائهم، وعندها تقل مساحة احتمال الفساد في العمل بمختلف ألوانه وأنواعه،( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم).
كذلك صلاح وبياض يد رأس أي عمل، تعني تخلصه من جميع الضغوط التي قد تبتزه لتمرير ما لا يريد
(لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)
، فأصحاب الأيادي البيضاء في حال سلطتهم وقوتهم هم الأقدر على ممارسة الرقابة، وهم أصحاب المساحات الافسح في محاربة الفساد والمفسدين.
ما أحوجنا اليوم في كافة مواقعنا أن ننظر لهذه التجارب الرائعة، وان نتمثلها في حياتنا حتى نتمكن من تحقيق أرقى درجات العدالة والشفافية الكفيلة بسيرنا في ركب التقدم والتحضر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق